كثيرون أولئك الذين كتبوا عن الظاهرة الحوثية، فلا أحسب أني سأصيب المحز وأطبق المفصل، بيد أني أجمع شتات ما كُتب، وأجمل القول فيما بُسط؛ ليتكون لدى القارئ عصارة الأفكار حول هذه الحركة، ويتجلّى له الأمر أكثر، لاسيما وأن كثيراً ممن كتب في هذا الشأن، كانت أغلب المصادر التي يستقي منها هو ما نُشر في الصحف، وما دار من لقاءات وحوارات لقادة تلك الحركة، والاعتماد على اعترافاتهم على مجرى (الاعتراف سيد الأدلة)، ولا غضاضة في ذلك بحكم قرب نشوء ذلك الفكر كحركة، ودنو ظهوره على الساحة الإقليمية.
فحينما نريد أن نقرأ عن الظاهرة الحوثية في اليمن يدلفنا الحديث اضطراراً إلى القول بأن هذه النبتة استظلت بفرقة الشيعية المظلة الكبرى، والتي انطوت في ظلها كثير من الفرق منها الزيدية، وعلى إثرها ظهرت فرقة الجارودية – وكان لها الأثر على الفكر الحوثي، حيث نجد أن الشيعة انقسموا أولاً إلى ثلاث فرق: فرقة الغلاة – الإثناعشرية-والإمامية – الباطنية -, والزيدية، وخرج من رحمها ثلاث فرق: السليمانية، والبتيرية، والجارودية، .
وثمة مواطن افتراق بين الزيدية والإمامية (الإثناعشرية)، لايسع المجال لذكرها، حيث ثبت تاريخياً وعقدياً الخلاف بين هذين المذهبين، بل وكفّر كل من الفريقين الآخر وفق أصول مذهبه، وعلى كل ما حصل بينهما، إلاّ أن ثمة اشتراكاً بين الجارودية – وهي من فرق الزيدية، وينتمي إليها بدر الدين الحوثي بالإضافة إلى غيره من المراجع المذهبية المتواجدة في صعدة – وبين الإمامية (الإثناعشرية). و قد كتب بدر الحوثي رسالة في هذا الشأن يُرجع إليها، وقد شكّلت الجارودية بوابة دخلت من خلالها الإثناعشرية، وقد فسّر البعض أن هذا هو طبيعة الالتقاء بين فكر الحركة الحوثية والثورة الإيرانية (الإثناعشرية)، والجدير بالذكر أن سبب التسمية بالجارودية: نسبة إلى أبي الجارود زياد بن منذر الكوفي الهمداني؛ إذ زعمت الجارودية أن النبي – عليه الصلاة والسلام –نص على علي بالوصف والإشارة دون التسمية والتعيين، وقد وصفهم الإمام يحيى بن حمزة باختصاصهم من بين سائر فرق الزيدية بالتخطئة للصحابة وتفسيقهم.
وقد نُقل عن بعضهم تكفير بعض الصحابة، وليس أحد من فرق الزيدية أطول لساناً، ولا أكثر تصريحاً بالسوء في حق الصحابة من هذه الفرقة.
وذهب الشهرستاني إلى أن الزيدية مالت عن القول بإمامة المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية، وفكر الحوثيين لايخرج عن الجارودية، فالمطَّلعُ على كتابات (بدر الدين الحوثي) -والد حسين الحوثي، وعلى محاضرات حسين الحوثي يجد أن الفكر الجارودي الواضح في كتابات يحيى بن الحسين (الهادي) هو نفسه عند بدر الدين الحوثي وولده حسين؛ ففي رسالته الموسومة (الزيدية باليمن) يقول بدر الدين الحوثي: "والإمام بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلا فصل هو علي -عليه السلام- واختلفوا في حكم من تقدمه، بين التفضيل عليهم بدون تكفير، وبين التوقّف بدون ترضية، أما في هذا العصر فلعل منهم من يترضى، والله أعلم".
النشأة للحركة الحوثية
يرى كثير من الباحثين أن الاتجاه الحوثي أو ما عُرِف بتنظيم الشباب المؤمن، أنه مر بمرحلتين.
المرحلة الأولى، مرحلة التأسيس والتكوين:
وتبدأ هذه المرحلة منذ إعلانه عن نفسه عام 1990م، في بعض مناطق محافظة صعدة (تبعد عن صنعاء 240كم شمالاً)، أي بعيد إعلان الوحدة اليمنية، حيث تم وضع منهج على الطلبة في الفترة الصيفية، وكذا المحاضرات التوعوية وجملة الأنشطة الفكرية والسياسية المصاحبة، والمقدَّمة لمنتسبي هذا التنظيم، في ظل التعدّدية السياسية التي تبنتها الدولة.
وأضحت هذه المراكز متيمماً لكثير من الطلاب القادمين إليها من مختلف المحافظات، المعروفة تاريخياً بانتمائها إلى المذهب الزيدي الهادوي، ثم تجاوز الأمر محافظة صعدة إلى العديد من المحافظات والمدن، ذات الطابع الشيعي الزيدي الهادوي، التي فتحت مراكز خاصة بها، وفق المنهج القائم في صعدة.
المرحلة الثانية: مرحلة المواجهة المسلّحة:
ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي مرحلة التنظيم المسلّح العلني للشباب المؤمن، أو ما بات يُعرف بجماعة الحوثي، وتبدأ منذ الشهر السادس من عام 2004م، حيث تحوّل التنظيم ـ أو قسم منه ـ إلى تلك الميلشيات العسكرية ذات البُعد الأيديولوجي. وقد خاض ست حروب مع الجيش اليمني، على مدى يزيد عن خمسة أعوام، بدءاً من 1862004م، ولاتزال مستعرة حتى كتابة هذه الأسطر، وإن تخلّلت كل حرب وأختها استراحة محارب.
ويلفت النظر إلى أن الحرب السادسة قد توسّع نطاق عملياتها، حيث لم تنحصر على مناطق صعدة، كما حدث في الحروب الخمسة السابقة، بل تفجّرت في بعض المناطق ذات الولاء التقليدي للزيدية الهادوية (الجارودية)، وتعدّت إلى الدول المجاورة.
عوامل البروز للحركة الحوثية:
- يرى متابعون للحركة الحوثية أن من أسباب عوامل البروز للحوثية الرد على التحدي الذي شكله مركز دماج السلفي، بقيادة الشيخ الراحل مقبل بن هادي الوادعي- رحمه الله - الذي جعل من المنهج السلفي يأخذ مساره، ويضرب أطنابه في عقر الدار الحوثية (صعدة)، وشهد انتشاراً في بقية المناطق، وما توالى عليه من تأسيس لكثير من المراكز الشرعية والجامعات مع المفارقات في الطرح والتأصيل، أبرزها مركز الدعوة العلمي بصنعاء، وجامعة الإيمان بصنعاء، فكانت ضربة قوية في وجه الحركة الحوثية، بالإضافة إلى التطلع إلى ما حازت عليه الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م من انتصار، وما أعلنته من سعي حثيث لتصدير الثورة؛ فكان حصول هذين العاملين سبباً في أن يشتعل العداء بوجه الفكر السني من جهة، وتجذّر التشيع السياسي لاستعادة حكم الإمامة من جهة أخرى، بالإضافة إلى عوامل التكوين العلمي والفكري الأيديولوجي الذي تبناه حسين بدرالدين الحوثي؛ حتى غدا خطابه الفكري الموجّه نحو أتباعه ذا روح انتقائية ثورية متمرّدة، تبدأ من نقد الآخر المذهبي كأهل السنة عامة وانتهاء بنقد المذهب "الزيدية".
وثمة عوامل خارجية ساعدت على ظهور الحركة الحوثية مجملها: عقيدة تصدير الثورة الإيرانية، وعقيدة الإمامية في الفكر الحوثي.
الأهداف والأطماع للحكرة الحوثية:
يرى مراقبون أن الحركة الحوثية وتمردها في صعدة لها أطماعها في قلب نظام الحكم في اليمن، إلاّ أن حسين بدر الحوثي يدرك جيداً أنه لن يستطيع في هذه المرحلة قلب نظام الحكم في اليمن المتسع جغرافياً بعد وحدته، والذي أصبح فيه أتباع المذهب الزيدي يمثلون نسبة أقل مما كانت عليه قبل الوحدة، ونتيجة تسنن الكثير من مناطق الزيدية؛ وعليه فقد كان للحوثي هدف مرحلي–فيما يبدو، يتمثل في بناء تنظيم حركي فكري قوي على أسس مذهبية، وولاء طائفي ليحقق قدراً من التماسك، ويبدو أن الحوثيين – ومن خلال رصد موقعهم الإعلامي (المنبر)- يستنّون بحركة (حزب الله) في أعمالهم التنظيمية والحركية والعسكرية، وفنون القتال والخطاب الإعلامي، والتعبئة المذهبية الطائفية.
وبالتالي فإن الحركة تكتفي خلال هذه المرحلة التي وُجّهت إليها حملات عسكرية عنيفة بأن تظهر كحركة شعبية لها مطالبها الحقوقية، وتدافع عنها، وتضحي من أجلها، مع بقاء طابع الولاء الطائفي والتبعية المذهبية، بحيث يُعدُّ لها ألف حساب في الترتيب السياسي كأقل تقدير في إمكان وجودها.